السلام بين روسيا وأوكرانيا، أسعار النفط، والمخاطر التي تهدد الاقتصاد العراقي
مع اكتساب المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا زخماً متزايداً، تعيد أسواق الطاقة العالمية تقييم توقعات الإمدادات، ما يثير مخاوف لدى الاقتصادات المعتمدة على النفط، مثل العراق، بشأن الأثر المالي لانخفاض الأسعار.
وبالنسبة لبغداد، فإن التأثير ليس بسيطاً. إذ يشير محللون إلى مخاطر قصيرة الأمد ناجمة عن زيادة المعروض وتراجع الأسعار، إلى جانب سيناريو متوسط الأمد قد يؤدي فيه تحسن النمو العالمي إلى رفع الطلب وتخفيف الضغوط. وسيحدد تفاعل هذين العاملين ملامح الأفق المالي للعراق.
وقد تفاعلت الأسواق بحذر مع احتمالات التوصل إلى تسوية، في ظل توقعات بأن تخفيف العقوبات قد يسمح لروسيا بزيادة صادراتها بسرعة وإضافة ملايين البراميل يومياً إلى الإمدادات العالمية. وذكرت وكالة «رويترز» أن روسيا تمتلك طاقة تصديرية فائضة كبيرة يمكن أن تعود سريعاً في حال تخفيف القيود، ما يعزز المخاوف من فائض المعروض.
وقد بدأت أسعار النفط بالفعل بالتراجع. إذ انخفض خام برنت، الذي كان يتداول فوق 80 دولاراً للبرميل في سبتمبر/أيلول 2024، إلى ما دون 60 دولاراً بحلول ديسمبر/كانون الأول 2025، في ظل ضعف نمو الطلب وارتفاع توقعات المعروض.
وتتفاقم حساسية العراق لهذا الوضع وفقاً لمشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في أبريل/نيسان 2025، التي قدّرت أن العراق يحتاج إلى أسعار نفط تتجاوز 92 دولاراً للبرميل لموازنة ميزانية عام 2025. ووفقاً للبنك الدولي، يشكل النفط أكثر من 85% من إيرادات الحكومة، بينما تُظهر البيانات الرسمية العراقية أن النسبة قد تصل إلى 95% في بعض السنوات، في حين يمثل النفط أكثر من 99% من الصادرات.
وبالمقارنة، نجحت دول الخليج المنتجة للنفط مثل السعودية والإمارات في خفض اعتمادها على النفط إلى نحو 40–65% من دخل الدولة، عبر تنويع مصادر الإيرادات في الصناعة والخدمات وعوائد الاستثمارات السيادية، ما وفر لها هوامش مالية يفتقر إليها العراق إلى حد كبير.
ويزيد الجمود في الإنفاق من حدة المخاطر، إذ تظهر البيانات العراقية أن 4.55 ملايين موظف في القطاع العام، و2.6 مليون متقاعد، و2.15 مليون مستفيد من الرعاية الاجتماعية يتلقون أكثر من 8.5 تريليون دينار (6.5 مليارات دولار) شهرياً كمدفوعات ثابتة، ما يحدّ بشكل كبير من قدرة الحكومة على امتصاص صدمات الإيرادات.
وقال الخبير الاقتصادي والمالي هلال الطعان، إن أسعار النفط تتأثر بمزيج معقد من النمو العالمي والجغرافيا السياسية ومعنويات السوق، وليس بالسلام وحده. لكنه حذّر من أن اعتماد العراق الكبير على النفط يضخم آثار أي تراجع.
وأضاف الطعان: «العراق يواجه بالفعل أزمة مالية، وأي انخفاض إضافي في أسعار النفط سيؤدي إلى تفاقم آثارها»، محذراً من أن بغداد قد تُدفع نحو الاقتراض الداخلي والخارجي، وهو ما وصفه بـ«المرحلة الخطيرة لاقتصاد أنهكته الصدمات المالية المتكررة».
من جانبه، رأى خبير النفط حمزة الجواهري أن اتفاق السلام من المرجح أن يعمق ضغوط فائض المعروض. وأوضح أن روسيا تصدر بالفعل نفطها رغم العقوبات، ويمكنها رفع الكميات سريعاً إذا خُففت القيود. وأضاف: «زيادة إنتاج النفط الصخري الأمريكي قد ترفع المعروض أكثر، ما يدفع الأسعار إلى حدود 50 دولاراً للبرميل أو أقل».
غير أن العراق لا يستطيع بسهولة تعويض تراجع الأسعار عبر زيادة الصادرات، إذ لا يزال إنتاجه مقيداً بحصص «أوبك+»، ما يحد من قدرته على رفع الإنتاج حتى في فترات تراجع الإيرادات، وهو قيد أشارت إليه تقارير أوبك السوقية مراراً.
وحذر الخبير الاقتصادي محمد الحساني من أن وقف إطلاق النار قد يضغط على الأسعار ويقلص الإنفاق الاستثماري، مستشهداً بتجربة العراق خلال انهيار أسعار النفط في جائحة كوفيد-19، عندما تراجعت الأسعار لفترة وجيزة إلى 14 دولاراً للبرميل، ما أجبر الحكومة على الاقتراض المكثف لتغطية النفقات التشغيلية.
وقال الحساني: «على الرغم من الانهيار، لم تُخفض الرواتب»، مشيراً إلى أن الاقتراض قد يصبح مجدداً الخيار الرئيسي إذا تراجعت الأسعار، ما يضيف مخاطر مالية طويلة الأمد.
وليس جميع التقييمات متشائمة. إذ رأى مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء، أن السلام قد يدعم أسعار النفط في نهاية المطاف عبر تحفيز النمو العالمي.
وقال صالح: «السلام ينتمي إلى الاقتصاد السياسي للنمو. وإذا ارتفع النمو العالمي بنسبة 1%، فإن الطلب على النفط يرتفع عادة بنحو 0.7%».
وأوضح أن زيادة الطلب قد تستوعب الإمدادات الإضافية بمرور الوقت، ما يتحدى الافتراض القائل إن التسوية ستضر تلقائياً بمصدري النفط.
وفي هذا السياق، بدأ العراق إعداد موازنة عام 2026 الاتحادية على أساس سعر نفط محافظ يبلغ 60 دولاراً للبرميل، بهدف كبح الإنفاق وحماية الالتزامات الأساسية.
وعقب اجتماع عُقد في 15 ديسمبر/كانون الأول 2025 برئاسة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، أقرّ المجلس الوزاري للاقتصاد إجراءات لخفض الإنفاق وزيادة الإيرادات، شملت تقليص مخصصات الرئاسات الثلاث وخفض نفقات السفر الرسمية.
وأشار صالح إلى أن هذه الخطوات غير كافية بمفردها، مؤكداً أن تجنب أزمات الرواتب المتكررة «يتطلب إصلاحاً هيكلياً، يشمل تنويع الإيرادات وتحسين كفاءة الإنفاق، وهي أهداف واردة في البرنامج الحكومي الذي أقره البرلمان في أكتوبر/تشرين الأول 2022».
وتبقى هشاشة العراق في ذروتها على المدى القصير، حيث سيؤدي أي تراجع في الأسعار نتيجة زيادة المعروض إلى ضغط فوري على الموازنة. أما النتائج على المدى المتوسط فتعتمد على ما إذا كان النمو العالمي سيتسارع بما يكفي لرفع الطلب على الطاقة. ومع ذلك، ومن دون تنويع اقتصادي، سيظل العراق عرضة للمخاطر البنيوية بغض النظر عن كيفية انتهاء الصراع الروسي–الأوكراني.
تعليقات الزوار